فرنسا وأول تجربة تنصيرية في التاريخ -الجزء السادس والعشرين بعد المائة-

  • PDF

في مدينة الأبيض سيدي الشيخ
فرنسا وأول تجربة تنصيرية في التاريخ
-الجزء السادس والعشرين بعد المائة-
بقلم: الطيب بن ابراهيم
*ماسينيون وتقييم فيلم شارل دي فوكو   
بعد انجاز فيلم نداء الصمت وعرضه للمشاهدة أصبحت أنظار خاصة الفرنسيين متجهة لمعرفة رأي من يعنيهم الأمر مباشرة وهم تلامذة شارل دي فوكو وبصفة أخص نزلاء إرسالية إخوة يسوع الصغار بالأبيض سيدي الشيخ لكونهم هم من شكّل أول إرسالية في العالم لتلامذة شارل دي فوكو بمدينة الأبيض بصحراء الجزائر ولكون بعض مقاطع الفيلم ُصوِّرت في مدينتهم وبإرساليتهم غير أن إخوة يسوع الصغار هؤلاء خاصة رئيس إرساليتهم الأب روني فوايوم كان نظره مشدودا لمعرفة رأي الرجل الأول والأجدر بتقييم الفيلم وهو لويس ماسينيون.
بعد شهر من إنهاء الفيلم وعرضه للمشاهدة وفي رسالة من رئيس إرسالية الأبيض  الأب روني فوايوم بتاريخ 5 ماي سنة 1936 أرسلها إلى بول لوسور ( أستاذ بالمعهد الكاثوليكي بباريس وصاحب المقال الذي نشر بجريدة لوفيغارو بمناسبة تأسيس إرسالية الأبيض) المكلف بطبع النشرة الدورية لشارل دي فوكو بفرنسا يعرب له فيها على ضرورة معرفة رأي لويس ماسينيون حول الفيلم ولم يتأخر الرد من ماسينيون وجاء في رسالة له تلبية لرغبة  رئيس إرسالية الأبيض الأب روني فوايوم بعد خمسة عشر يوما من رسالة هذا الأخير.
*رأي ماسينيون في الفيلم 
كما عودنا المستشرق العالمي ماسينيون أنه لا يرضى بأي عمل دون المستوى ولا ينساق وراء العواطف والأهواء وأنه يحسب الأمور بحساب الكبار والخبراء خاصة إذا كان الأمر يتعلق بأقرب أصدقائه إلى قلبه شارل دي فوكو الشخصية التي أثّرت عليه تأثيرا غير حياته ولازمه لغاية وفاته فهو يرفض الأعمال والمواقف العفوية العاطفية والحماسية والاندفاعية والبروتوكولات الشكلية. 
بعد بداية عرض الفيلم شاهده الجميع خاصة التلاميذ والمتعاطفون ومن هؤلاء روني فوايوم رئيس إرسالية الأبيض الذي أخبرنا أنه شاهد الفيلم في إحدى قاعات سينما مدينة وهران مع الجمهور كما شاهد ماسينيون الفيلم هو الآخر في إحدى قاعات السينما بمدينة باريس وبعد شهر من بداية العرض جاء رد فعل ماسينيون حول الفيلم في رسالة موجهة لرئيس الإرسالية روني فوايوم الذي كان حريصا على معرفة رأي أستاذه. جاءت الرسالة من باريس بتاريخ 21 ماي سنة 1936 تناول ماسينيون في الرسالة عدة قضايا كعادته تخص إرسالية الأبيض ورئيسها وأنشطتها بعد ذلك انتقل ماسينيون للحديث عن فيلم نداء الصمت الذي شاهده بعد أن استُدعِي من طرف مخرج الفيلم نفسه ليون بواريي بصفته أحد أعضاء جمعية شارل دي فوكو الفرنسية كما يقول وهي الجمعية التي كانت وراء نجاح تحقيق المشروع فماسينيون جدير بأن يدعى دعوة خاصة لمشاهدة الفيلم وهو جدير بأن ينتظر الجميع رأيه وتقييمه للفيلم.
كان فيلم شارل دي فوكو نداء الصمت حدث الساعة ونال في فرنسا جائزة أحسن أفلام سنة 1936 وأُعجبت به الجماهير خاصة الأوساط الاستعمارية  والكنسية المتحمسة للتنصير ورجالاته ومن أهم هؤلاء المعجبين الذين أشادوا بهذا العمل الآباء البيض أي تلامذة شارل لافيجري وسبب ذلك الإعجاب الجماهيري يعود لأمرين أولهما الدعاية التي صاحبت تصوير الفيلم والترويج له وثانيهما التعاطف مع مقتل بطل الفيلم من طرف البرابرة الذين كرس الزعيم حياته لهدايتهم حسب وصفهم. 
لم يكن ماسينيون متحمسا للفيلم ومتعاطفا معه كعامة الجمهور وإن كان أكثر الناس تحمسا لشخصية دي فوكو فالفيلم في نظر ماسينيون له ما يقال عليه ورغم ذكاء ودقة اختيار عبارات ماسينيون إلا انه وصف الفيلم بما قلَّ ودلّ لم يزد تقييمه للفيلم على خمس كلمات اثنتان منها كانتا كافيتين وشاملتين وصف ماسينيون الفيلم بأنه بورجوازي و استعماري ولا يوجد ما هو أبشع من الاستعمار وبورجوازيته في أي مستعمرة وهذا الوصف يتناقض مع شخصية دي فوكو الذي كان موقفه الرسمي والمعلن هو اختيار حياة التنسك والفقر  والمواقف الإنسانية وكان شعار حياته البساطة مع البسطاء والفقر مع فقراء الصحراء لخدمتهم حسب وصف دي فوكو نفسه . 
إن طبيعة حياة الصحراء جغرافيا واجتماعيا هي البساطة التي تتناقض  مع صفة البورجوازية بل هذه الأخيرة في صراع مع الطبقة الفقيرة الكادحة التي زادها الاستعمار بشاعة وللصفتين من الدلالة ما لهما لأن دي فوكو وتلامذته رهبان صحراء فقراء يفضلون حياة البسطاء ويعملون في صمت بعيدا عن الدعاية!! ولا علاقة لهم بالاستعمار ومآسيه بينما الفيلم مجّد الاستعمار ورجالاته العسكريين وعلى رأسهم الماريشال ليوتي الصديق الشخصي لشارل دي فوكو الذي كان حريصا على إنجاز الفيلم ونجاحه كما أن الفيلم فضح العلاقة القائمة بين الجيش الفرنسي ورجال الكنيسة وفي قراءة سريعة  لعبارات ماسينيون يلاحظ انه ينتقد الفيلم ولم يكن راضيا عنه تمام الرضا خاصة أن ماسينون هو الذي أنجز وصية دي فوكو وهي كتابة سيرة حياته وكانت تحت عنوان شارل دي فوكو رائد المغرب وناسك الصحراء فكيف يلتقي التنسك والبورجوازية والاستعمار في شخصية دي فوكو؟ فالفيلم وَظَّف فنيا ما يجب ألا يوظف وما يستهوي العامة لا يستهوي ماسينيون وذلك رغم ذكاء ومهارة دور مخرج الفيلم حسب وصف ماسينيون نفسه. 
ليس القس لويس ماسينيون فقط هو من لم يتحمس للطريقة التي اخرج بها الفيلم فقد شاطره بعض القساوسة ووجهوا للفيلم انتقادات حادة فمثلا القس والمستشرق ميشال ليلون كاتب مقدمة كتاب: شارل دي فوكو في نظر الإسلام لصاحبه علي مراد يقول في تقديمه انه شاهد الفيلم نداء الصمت سنة 1942 وأن به غموضا وثغرات.
صحيح أن الفيلم نال إعجاب الكثير وحقق أرقاما قياسية من خلال نيله لجائزة السينما الكبرى لسنة 1936 . لكنه يبقى فيلما استعماريا يمجد الاستعمار وسياسته العسكرية والتنصيرية ويمجد رجال هذه السياسة الذين تحالفوا مع الجيش الفرنسي ومخابراته من جهة والكنيسة من جهة أخرى وذلك بطريقة دعائية مكشوفة وهو لا يخرج عن كونه فيلما إمبراطوريا استعماريا زيادة على ما يقال على الفيلم تاريخيا وفنيا.
..يُتبع...